حروب الجيل الرابع

Fourth Generation Warfare

أبو عبيد القرشي



يستغرب المرء هذه الأيام مدى توغل الانهزام النفسي في قلب هذه الأمة. وتزداد الدهشة أكثر عندما يكون بعض أهل العلم أول من يتعرض لهذا الداء، في حين يفترض في أمثالهم الذود عن هذه الأمة إحقاقا للحق وإزهاقا للباطل. وقد تكلم في هذا الصدد أحد هذه النماذج في لقاء مع قناة فضائية حول الهجمة الأمريكية الحالية، وبدأ يبرر التخاذل عن نصرة المجاهدين بجملة أباطيل لفت نظري منها قوله أنه لا تكافؤ بين قوة المجاهدين وقوة أمريكا وحلفائها، وبالتالي لا جهاد ولا نصرة لأن الأمر محسوم سلفا لصالح أمريكا. وهذا الكلام ينم عن جهل مطبق لصاحبه بالشرع الإسلامي أولا ثم بالتاريخ والتحليلات العسكرية الغربية الحالية. وهو ما سيتبين مما يلي.

كلنا يتابع منذ سنين أخبار وصور أطفال الانتفاضة الفلسطينيين وهم يرمون الحجارة والزجاجات الحارقة على الجنود الصهاينة المجهزين بآخر مبتكرات التكنولوجيا العسكرية الحديثة. ورغم تكاثر الإصابات في صفوف الفلسطينيين إلا أنه لم يحدث قط أن انكسرت عزيمة هؤلاء الأبطال بل على العكس من ذلك. خاصة وقد زاد من صمودهم عمليات الحركات المجاهدة في فلسطين التي تكاثرت كما وتحسنت نوعا. إنها صور ومشاهد تضرب لنا الأمثال في الشجاعة والصمود. لكن هناك دلالات أخرى لهذه الصور. ففي سنة 1989 استشرف بعض خبراء الجيش الأمريكي حدوث تغيير جذري في نمط الحرب وكيفية إدارتها، والتي رأوا أنها ستكون الشكل الغالب في حروب القرن 21. أطلق هؤلاء على هذا النمط اسم "الجيل الرابع من الحروب" ((4th Generation Warfare في حين أطلق عليها آخـرون اسـم "الحـرب غير الموازية" (Warfare (Asymmetric.

من المعلوم في عرف المؤرخين العسكريين أن حروب ما بعد النهضة الصناعية عرفت ثلاث تطورات أساسية. ففي الجيل الأول من هذه الحروب اعتمدت الحرب على كثرة الجنود الذين كانوا يأخذون أشكال صفوف ويتسلحون ببنادق بدائية. أما في الجيل الثاني الذي ظهر في الفترة ما بين الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865) والحرب العالمية الأولى، فقد اعتمدت الحرب على استنزاف اقتصاد العدو والنيل من أكبر عدد من جيوشه باستغلال كثافة إطلاق النيران المتمثل في البنادق ثم البنادق الآلية فيما بعد. فيما تمثل الجيل الثالث من الحروب في تغيير تكتيكي شامل برع فيه الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، وهو تكتيك يتمثل في الالتفاف على العدو باستعمال تشكيلة من الدبابات والطائرات، ومهاجمة مؤخرته عوض الاصطدام مع مقدمته كما كان الحال في حرب الخنادق في الحرب العالمية الأولى.

أما الجيل الرابع من الحروب فيؤكد الخبراء أنه نوع جديد من الحروب. سيكون القتال فيه حسب تصورهم مشتتا بشكل أكبر، فساحة المعركة ستشمل المجتمعات، ولن تقتصر الأهداف العسكرية على تدمير الجيوش النظامية بل ستتعداها لتشمل تدمير المساندة الشعبية للمقاتلين في مجتمع العدو. وفسر هؤلاء الخبراء تصورهم أكثر حين ذكروا في مقالهم أن "نشرة الأخبار ستصبح سلاحا أكثر فتكا من عدة لواءات مدرعة" كما ذكروا أن الفرق بين الحرب والسلم سيتلاشى لدرجة أنه " لن يبقى هناك تحديد على الإطلاق لميدان المعركة أو جبهة الحرب".

أدلى استراتيجيون غربيون آخرون بدلوهم، حين ذكروا أن الحرب الجديدة تعتمد من الناحية الاستراتيجية على التأثير على نفسية وعقل مخططي العدو، ليس عبر الوسائل العسكرية فقط كما كان الحال سابقا، ولكن كذلك عبر استعمال كل الوسائل الإعلامية والشبكات المعلوماتية المتوفرة في هذا العصر للتأثير على الرأي العام ومن ورائه النخب الحاكمة. أما من الناحية التكتيكية، فقد ذهب هؤلاء إلى أن حروب الجيل الرابع ستكون عبارة عن حروب صغيرة الحجم تسعر في مناطق مختلفة من الأرض ضد عدو شبح يختفي ويظهر. وهذه الحرب وإن استعملت فيها تكتيكات وتقنيات متبقية من الأجيال السابقة إلا أنه سيتم التركيز فيها على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، وسيخوضها أطراف دولية ووطنية وجهوية - قبلية بل ومنظمات كذلك.

يشكل هذا النوع الجديد من الحروب مصاعب كثيرة للآلة العسكرية الغربية، ويتوقع أن تغير هذه الجيوش من أولوياتها، ولم يأت هذا الاستشراف والتغيير قط من فراغ، ويا ليت المرجفين الجدد يعلمون هذا. فحروب الجيل الرابع وقعت فعلا وأظهرت تفوقا للطرف الضعيف نظريا، بل وأبانت في كثير من الحالات عن انهزام دول قومية أمام قوميات لا دول لها.

لا بد هاهنا من التنبيه إلى ملاحظة هامة، وهي أن الأمة الإسلامية حققت أكبر عدد من الانتصارات في مدة وجيزة لم تعرفها منذ اعتلال الخلافة العثمانية. حصلت هذه الانتصارات على مدى العشرين عاما الماضية ضد أحسن الجيوش في العالم تسليحا وتدريبا وتجربة (الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، أمريكا في الصومال، روسيا في الشيشان، والكيان الصهيوني في جنوب لبنان) وفي مسارح مختلفة (جبال- صحراء – تلال- مدن). وهكذا فقد انتصر المجاهدون في أفغانستان على القوة العالمية الثانية آنذاك وأجبروها على سحب جيشها عام 1988، ثم قضوا على نظامها العميل بعد ذلك بثلاث سنوات. كما أهانت عشيرة صومالية أمريكا وأجبرتها على إخراج قواتها من الصومال، ثم بعدها بقليل أذل المجاهدون الشيشانيون الدب الروسي في الحرب الأولى وأخرجوه مهزوما مدحورا. ثم ما لبثت المقاومة اللبنانية أن دحرت الجيش الصهيوني من جنوب لبنان.

صحيح أن جل هذه الانتصارات السابقة لم يتبعها تثبيت لأقدام المنتصرين، لكن هذا ليس موضوع بحثنا. فمقصود المقال هو بحث الناحية العسكرية المحضة لأنه مناط شبهة انعدام التكافؤ بين قوة أمريكا وقوة المجاهدين، مما يعني حسب المتخاذلين انعدام مقومات الجهاد والنصرة.

إن الجيوش الجرارة السابقة الذكر لم تنفعها التجهيزات التكنولوجية، التي تكفي لتدمير كوكب الأرض مئات المرات بترساناتها النووية والكيماوية والبيولوجية. ورغم ذلك أبان المجاهدون عن تفوقهم في حروب الجيل الرابع بأسلحة خفيفة فقط. فهم جزء من الشعب ويختفون داخل الجماهير. وهي استراتيجية تقضي على تفوق الأسلحة المتطورة المصنوعة أساسا لفضاءات مفتوحة وواضحة المعالم. وفي هذا الاتجاه يقول مايكل فيكرز "كثيرة هي إمكانياتنا التي لا تصلح لهذا النوع من الحروب".

أما من الناحية العددية فحدث ولا حرج. فقد توغل الجيش الأحمر بأكثر من 100000 جندي أواخر سنة 1979 ولم تكن هناك مقاومة تذكر في البداية. وحتى عندما وصل عدد المجاهدين للأوج بعد 1985، إلا أن ميزان القوى ضل لصالح الجيش السوفييتي وعملائه بنسبة 5 مقابل 2. أما في الصومال فقد كان الأمر أيسر. إذ أن الأمريكين الذين غزوا المنطقة ب40000 جندي خرجوا من المنطقة دون عناء كبير بعد مقاومة يسيرة قام بها عدد من المقاتلين لم يتعد ال 2000 عنصر في أحسن الأحوال. أي أن ميزان القوى كان لصالح الجيش الأمريكي ثم حلفائه بنسبة 20 مقابل 1. أما في حرب الشيشان الأولى (1994- 1996)، فقد جاء النصر الشيشاني بعدما اجتاحت روسيا أرض الشيشان ب100000 جندي ولم تتعد المقاومة الشيشانية ال 13000 في أحسن الأحوال، أي أن ميزان القوى العددي لصالح روسيا كان 7.7 مقابل 1. بل وقد حدث في فترة من الفترات أن قام الجيش الروسي بحصار رهيب على غروزني بجيش عدده 50000 إلا أن المجاهدين الشيشان وبتشكيلات مقاتلة لم تتعد 3000 مجاهد، نجحوا سنة 1995 ليس في فك الحصار وحسب، بل والقيام بهجوم مضاد جريء على مؤخرة الجيش المحاصر لهم مما أجبر الروس على التراجع في ظل خسائر كبيرة . وقد بينت حرب الشيشان الأولى بجلاء أن أداء الجنود وشجاعتهم في الميدان، كيفما كانت صعوبته، من العوامل المهمة التي تحدد نتيجة المعركة . كان الدهاء العسكري والإعلامي والمعرفة الواسعة بمداخل الجيش الروسي كذلك من العوامل التي جعلت الشيشان يعرفون بجدارة من أين تؤكل الكتف .

وهكذا يتضح أن هناك سوابق لقوى عظمى ودول كبرى ذاقت وبال الهزيمة على يد تشكيلات المجاهدين في العقدين الأخيرين رغم الفرق الكبير بين إمكانيات الطرفين. وبهذا تتهافت شبهة المرجف المذكور.

قد يعترض البعض أن كل الحروب السابقة جمعت بين قوميات متماسكة وجيوش غازية، وبالتالي فإن الاستدلال بما سبق لا يصح في حالة تنظيم القاعدة الذي يقاتل خارج أرضه وفي بيئة معادية أكثر الأحيان. نجيب على هذا الاعتراض أولا بأن تنظيم القاعدة يقاتل إلى جانب طالبان وهم أهل البلد. وثانيا بأن مجاهدي القاعدة أثبتوا ومنذ البداية أنهم تجاوزوا الخانات العصبية التقليدية، وهذا عين ما تنقم عليهم أمريكا لأنهم أفلتوا من لعبة تتقنها بل وتضع قواعدها كذلك. ويكفي فخرا لمنظمة القاعدة أنها دمرت بغزوة 11 سبتمبر ركائز الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية، والتي لم يستطع الاتحاد السوفييتي السابق ولا أية دولة معادية النيل منها. وهذه الركائز هي: الإنذار المبكر، الهجوم الوقائي ومبدأ الردع .

فيما يخص الركيزة الأولى وهي الإنذار المبكر، فإن تنظيم القاعدة بغزوة 11 سبتمبر دخل تاريخ الهجمات المفاجئة الناجحة، والتي تعتبر قليلة في التاريخ. من قبيل الهجوم الياباني على بيرل هاربور الأمريكي سنة 1941 والهجوم النازي المفاجئ على الاتحاد السوفييتي سنة 1941 والاجتياح السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا سنة 1968، إضافة إلى عبور خط بارليف الصهيوني سنة 1973. بل وقد تعدى في وجعه كل هذه الهجمات، لأنه يدفع أمريكا لأن تجعل جميع أفراد مجتمعها جاهزين نفسيا وعمليا لكافة الافتراضات. وهي مسألة باهظة الثمن اقتصاديا ونفسيا خاصة لمجتمع لم يتعرض لآثار حرب منذ الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865). وإذا كان الجيش الأمريكي نفسه والذي يفترض فيه الجاهزية التامة، قد تعرض لحادث المدمرة كول فإن إعداد مجتمع بأكمله لمواجهة الهجمات "الإرهابية" يظهر بعيد المنال.

أما فيما يخص الهجمة الوقائية وهي الركيزة الثانية للاستراتيجية الدفاعية الأمريكية، فإنها تعرضت كذلك للاهتزاز. فهي تابعة للركيزة الأولى ومرهونة بوقوعها. وحتى إذا افترضنا أن الإنذار المبكر حصل في وقته، فإنه يصعب جدا تسديد أي ضربة وقائية ناجعة لتنظيم سريع المناورة والتحرك ولا يملك مقرات دائمة.

أما الركيزة الثالثة وهي الردع، فإن هذا المبدأ يسقط مطلقا مع أناس لا يحرصون على الحياة بل ويتعطشون للشهادة. ومبدأ الردع يقوم على أساس وجود طرفين يحرصان على بقاء واستمرار مصالحهما. وإذا كان هذا الأمر ناجحا بين الدول فإنه غير ناجح البتة مع تنظيم لا توجد له مقرات ثابتة ورساميل في أبناك الغرب ولا يعتمد على مساعدات دول بعينها. إذن فهو يملك استقلالية القرار ويبحث عن المواجهة أصلا. فبماذا يردع أمثال هؤلاء إذا كان الموت أسمى أمانيهم.

بالإضافة إلى تدمير تلك الركائز، فإن تنظيم القاعدة سبب أكبر هزيمة نفسية للأمريكيين في تاريخهم. وأفضل وسيلة لتحقيق الهزيمة النفسية هي كما بين أحد الاستراتيجيين الغربيين ، الضرب في المكان الذي يشعر فيه العدو بالراحة والثقة. وهذا ما فعل المجاهدون في نيويورك بالضبط.

يتبين إذن أن التكافؤ المفقود بين أمريكا والمجاهدين الذي يتحدث عنه المرجفون، هو عين ما يلائم الآلة العسكرية الغربية عموما والأمريكية خصوصا. في حين يربك هؤلاء الجيل الرابع من الحروب الذي يصلح للطليعة المجاهدة، ولا سيما مع تبني الشعوب الإسلامية للجهاد من جديد، بعدما لم يعد لهذه الشعوب المستضعفة ما تخسره أمام الذل والمهانة التي تتعرض لها كل يوم وحين.

لقد فهم الأمريكيون والغرب طبيعة التحدي الجديد وأقروا بصعوبة المهمة التي تواجههم. إذ لا بد من تغيير شامل في التدريب والعقيدة القتالية والأسلحة، إضافة إلى تغيير طريقة النظر للأمن القومي.

وآن كذلك للحركات الإسلامية أمام الهجمة الصليبية العامة والعارمة أن تستوعب قواعد حروب الجيل الرابع. وذلك بأن تعد الفكر الاستراتيجي الملائم والاستعداد العسكري المناسب، وأن تزيد من الاهتمام بالدعوة وحشد التأييد الجماهيري والتعبئة السياسية للشعوب. لأن هذا، إضافة إلى كونه واجبا شرعيا، صار كذلك جزءا لا يتجزأ من وسائل كسب الجيل الرابع من الحروب. وقد أشار إلى هذا المعنى الاستراتيجيون القدامى قبل الجدد مثل كلاوزفيتز و ماو تسي تونغ. ولعل أبرز مثال على هذا ظاهرة الانتفاضة، التي قضت على التفوق الهائل بين الجيش الصهيوني والشعب الفلسطيني المسلم.

على الحركات الإسلامية أن تعطي أيضا مساحات أكبر للعمل الإعلامي- الدعائي الجاد والهادف، لأن هذه الجبهة المكشوفة هي التي تحقق فيها أمريكا وأذنابها مكاسب جلية لحد الآن بعد إسكات أو احتواء كل صوت إعلامي معارض أو محايد. فأمريكا تريد تحطيم المكاسب النفسية الكبيرة التي يحققها المجاهدون من خلال العمل العسكري، وما يترتب عن صدى هذه البطولات من أثر إيجابي على التعاطف والنصرة في العالم الإسلامي.

نسأل الله أن يخرس نعيق المرجفين وأن يقيض لهذه الأمة جيلا جديدا من الدعاة والعلماء في مستوى تحديات الجيل الرابع من الحروب.


الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية
قسم الإعلام التوعوي



لتحميل الملف للمقال مع الهوامش : حروب الجيل الرابع




http://www.short-link.de/2022

http://shink.de/96e1z9

http://heretic.maid.to/cgi-bin/stored/serio0802.zip

http://82.133.140.67/MrWorm/uploads/17/jil_rabe3.zip

http://d.turboupload.com/d/110217/jil_rabe3.zip.html

ساهموا معنا في نشر واعادة التحميل في روابط بديلة والدال على الخير كفاعله





منقول

_____________________

اخواني هذا البحث مهم جداً
__________________________________________________ ____

قال أبو الوفا بن عقيل رحمه الله :


" إذا أردت أن تنظر إلى محل الإسلام من أهل الزمان ، فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد ، ولا إلى ضجيجهم بلبيك ، ولكن انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة "